المراهقة رحلة شيّقة إلى أعماق الذات

1371110009_shutterstock_114118105

المراهقة رحلة شيّقة إلى أعماق الذات

المراهقة: رحلة شيّقة إلى أعماق الذاتوصفت المراهقة بالمرحلة الصعبة، بالعاصفة، بمرحلة التمرّد والأزمات المتتاليةهذه النظرة تعود إلى القرن الثامن عشر، حيث نرى في كتابات الفلاسفة وعلماء الاجتماع آنذاك

، وأشهرهم جان جاك روسو،وصفا˝حادّا˝جدابسلبيته لمرحلة المراهقة ولشخصية المراهق:مثل هدير الأمواج الذي يسبق العاصفة، هكذا تأتي همسات العواصف المتصاعدة لتنذرنا بالخطر الآتي من التغيرات المزاجية، نوبات الغضب المتكاثرة، التقلبات الذهنية المستمرة التي تجعل الولد خارج سيطرتنا، لذلك يجب أن تضع يدك على الحزام قبل أن تفقد كل شيء

  1. تكوين الهوية: من الاستكشاف إلى الالتزام

يرى الباحثون أن عملية تكوين الهوية تختلف من فرد إلى فرد، من مجتمع إلى مجتمع ومن ثقافة إلى ثقافة، فلن تتكوّن هوية متماسكة إلاّ نتيجة تفاعل توافقي للفرد مع ماضيه وجذوره العائلية وخبرات الطفولة في شتّى المجالات من جهة، وبينه وبين تطلّعاته المستقبلية ضمن الفرص المتاحة له والحدود الواقعية لطموحاته الشخصية من جهة أخرى.

  • من أنا؟

    إن العمل الذهني الذي يقوم به المراهق يعكس رغبته في رسم استراتيجية جديدة لنفسه، استراتيجية من اختياره هو لا من اختيار الراشدين، وهذه الاستراتيجية تتمحور حول السؤال الجوهري: من أنا؟ إضافة إلى التساؤلات العديدة حول المنحى الذي سيتخذه مستقبله (النجاح أو الفشل في المدرالبحث عن الهوية والمراهقة الكونية“!

  1. إن فهم عملية البحث عن الهوية لدى المراهق يعتمد على نظرة تطورية شاملة، فالتطور الذهني لا يحصل بعزل عن العوامل البيئية والثقافية التي تحيط بالمراهق، أي الإطار الاجتماعي والثقافي والسياسي الذي يتحرّك فيه، وهذا الإطار قد اتّسع اليوم إلى حدود غير مشهودة من قبل، ما يجعلنا نتكلّم عن “ثقافة المراهقة” الكونية:

  2. إن مفهوم المراهقة اليوم شهد تحوّلا مهماً: من مفهوم مبني على صورة المراهق التائه، المتمرد، الثائر على مجتمع “جامد” ورجعي، إلى صورة مطّاطة ضمن عالم أكثر انفتاحاً ومرونة ، في ظلّ ظاهرة العولمة التي تجتاح العالم.

  1. المراهقة الكونية

أدّت العولمة إلى انشاء إطار “كوني” للمراهقة، بدءاً من المظهر الخارجي للمراهق وصولا˝ إلى نمط العيش والاهتمامات والتطلعات.

  • فالمراهقون في كل أنحاء العالم يشبهون بعضهم البعض:

  • وكأنهم يشكّلون قبيلة كبيرة مع طقوس وتقاليد خاصة بها.

  • في اللباس.

  • في لغة التواصل بينهم.

  1. العوامل المؤثّرة على تكوين الهوية

  2. إن التقييم الذاتي لدى المراهق يتأثّر بشكل مباشر بهويته الجنسية الاجتماعية ومستوى أدائه الأكاديمي وعلاقاته الاجتماعية والجماعة التي ينتمي اليها.

  3. هناك إجماع على التأثير الكبير لشعور المراهق/ة، حيال مظهره/ا الخارجي على مستوى تقديره/ا الذاتي، يليه شعوره حيال نظرة الآخرين (الأقران) له: عموما˝، يتّخذ التقدير الذاتي منحى˝ ايجابيا˝ عندما يشعر المراهق أن أقرانه يتقبّلونه.

  1. الهوية الجنسية الاجتماعية

  2. منذ الولادة، يتعلم المراهق السلوك الاجتماعي المطلوب منه حسب جنسه وهذه التعاليم تترسّخ بشكل عميق في ذهنه وتؤثّر على نظرته إلى نفسه وإلى الآخرين:

المطلوب من الذكور أن يتصرّفوا باستقلالية وأن يستخدموا المنطق وأن يكونوا طموحين، عكس ما هو مطلوب من الاناث، أي الاعتماد على الآخرين (على الأقوى، أي على الذكور!)، استخدام العاطفة على حساب المنطق، والتصرّف بلطف وعطف.

  1. الإنتماء للجماعة

مفهوم الإنتماء يبدأ عند الإنسان منذ مرحلة الطفولة الوسطى (سبع سنوات) من خلال الممارسات والتقاليد العائلية والإحتكاك المباشر مع الجماعة المحلية للطفل، ليتبلور خلال فترة المراهقة ضمن إطارين محدّدين:

  • الأول: مع نضوج القدرات العقلية لدى المراهق وبروز الميل إلى النقد الذاتي وتقييم الآخرين، يدخل المراهق في مرحلة المراجعة الذاتية والمساءلة والتأمّل التي تتميّز بالكثير من الاستكشاف والقليل من الالتزام

  • الثاني: تنتهي هذه المرحلة الاستكشافية ليسلك المراهق إحدى هذه المسارات:

  • يبعد ويعزل نفسه عن أصوله ( الميراث العائلي، المعتقدات الدينية، الانتماء السياسي للعائلة، إلخ.)

  • يعتمد هوية تدمج بين ميراثه الشخصي من جهة، وخصائص المجتمع الأوسع من جهة أخرى

  • يتبنّى هوية مزدوجة تتبدّل فيها الأدوار والخصائص حسب متطلّبات الظرف الاجتماعي الراهن

  • يلتزم التزاما˝ كاملا˝ وشاملا˝ بأصوله وجذوره إلى درجة التعصّب والانعزال

  • أن المراهقين الذين ينجحون في تطوير هوية عِرقية دامجة لخصائص إرثهم الشخصي وخصائص المجتمع الأوسع معا˝، يتحلّون بصحّة نفسية أفضل من زملائهم المراهقين من الفئات الثلاث الأخرى.

  • هوية الإنسان متعددة الأوجه: قد ينجح المراهق في الوصول إلى التزام كامل في بعض هذه الأوجه وقد يحتاج إلى المزيد من الوقت لتحقيق ذاته في أوجه أخرى. وهذا ما يُلمس في المجتمعات المختلطة وفي مجتمعات الاغتراب حيث تتساكن ثقافات وإثنيات متعددة ومتداخلة تحيط بالمراهقين وتدفعهم إلى أحد المسارات أعلاه.

  • تلعب البيئة العائلية الثقافية للمراهق دورا˝ أساسيا˝ في تكوين الهوية ، ويشمل ذلك نوعية العلاقة التي تربطه بذويه: كلّما كان أهل المراهق داعمين له في مسيرته بحثا˝ عن هويته، ومتقبّلين لتساؤلاته ومتفهّمين لنقده وآراءه، كلّما شعر المراهق بالأمان والطمأنينة وتزوّد بالثقة اللازمة لاختيار المسار الملائم لتكيّفه النفسي والاجتماعي ولطموحاته المستقبلية .

  1. الأداء المدرسي

  2. ان شعور المراهق بالنجاح أو الفشل في المجال التعليمي يرتبط مباشرة بالصورة التي يكوّنها عن نفسه والتي هي بدورها تؤثّر على مفهوم الهوية عنده: هل أنا انسان قادر؟ فاشل؟ هل أستطيع القيام بهذه المسؤوليات؟ لماذا لا أستطيع؟ ما هي مشكلتي؟ ما هي نقاط قوتي؟ هل لديّ قدرات تؤهّلني للمستقبل؟ أي مستقبل أتصوّر لنفسي إذا لا أدرك قدراتي؟ كيف أتعرّف على قدراتي؟ لماذا أختلف عن الآخرين؟ هل أنا راضٍ عن مستوى أدائي؟ هل أستطيع أن أكون أفضل؟ لماذا أريد أن أكون أفضل؟ إلخ…كلها تساؤلات تجتاح أذهان المراهقين في مرحلة مليئة من الاستحقاقات المهمّة في حياتهم، ألا وهي الامتحاناتالرسمية التي سوف تقرّر مصيرهم التعليمي أو المهني أو امتحانات الدخول إلى الجامعات ومعاهد التعليم العالي.

  3. من ناحية أخرى، هناك الكثير من الشباب الذين لا يتمتّعون بالذكاء الأكاديمي بالمعنى التقليدي والمطلوب للإنجاز المدرسي الناجح، لكنّهم يتحلّون بنوعية ذكاء مختلفة، كالذكاء العاطفي الذي هو، باعتراف جميع الخبراء النفسيّين، أهم أسباب النجاح في الحياة العملية والاجتماعية، أو الذكاء الجسدي الذي يتجلّى في المهارات الرياضية المتفوّقة

  1. العلاقات الاجتماعية

  2. يتأثّر المراهق بشدّة بنوعية الأصدقاء الذي يحيط نفسه بهم، بقيمهم وسلوكياتهم، وبما أن المراهقين يمضون وقتا˝ أقل مع أعضاء أسرتهم، يكتسب الأصدقاء أهمية كبيرة في حياتهم، وهذه العلاقات خارج نطاق العائلة قد تكون إيجابية لمصلحة المراهق، أو سلبية ومضرّة لسلامته الشخصية كما لمستقبله.

  3. في أفضل الحالات، تساهم هذه العلاقات الاجتماعية في تطوّره النفسي وفي تطوير مهاراته الاجتماعية، وتقدّم له دعما˝ عاطفيا˝ مهما˝ خلال عملية النمو. يبحث المراهق في هذه العلاقات عن الثقة والتفهّم المتبادل والوفاء والشراكة.

  4. تؤكّد الدراسات أن المراهقين الذين يتمتّعون بصداقات حميمة و داعمة لديهم نسبة أعلى من التقدير الذاتي ويتعاطفون أكثر مع زملائهم ويتميّزون بمستوى أداء مدرسي أعلى من المراهقين الذين يميلون إلى العزلة والوحدة .لكن في بعض الأحيان، قد ينجذب المراهقون إلى مجموعات من الفتية ذوي النفوذ السلبي والسلوك المعادي للمجتمع والانحراف ويكون ذلك، ولسوء الحظ، بسبب البيئة التي يترعرع فيها هؤلاء الفتيان وبسبب انعدام الاشراف العائلي الصحيح والخدمات الاجتماعية والصحية والتربوية الملائمة لتحفيز النمو الايجابي لدى الشباب.

5- المراهقون والاعلام

  • يشكّل الاعلام اليوم أهم أداة للترويج… وبالتالي وسيلة ضغط هائلة على السلوك الاستهلاكي، بخاصة لدى الأطفال والمراهقين.

  • يستخدم المراهقون هذه الوسائل للترفيه (مشاهدة الأفلام أو متابعة المسلسلات حسب “مواسمها”)، أو للاثارة الحسية والتواصلية (الخدمات الاجتماعية مثل الدردشة أو ال”فيسبوك” وغيرها). لكن هناك مفعول آخر لهذه الوسائل على المشاهدين المراهقين، وهو يكمن في اللاوعي، إذ أن استخدام هذه الوسائل يساهم في:

  • تكوين الهوية.

  • تطوير السلوك الاستهلاكي في اتجاهات معيّنة.

Comments

comments


1 Comment

عالية وريدي

31 مارس,2016 at 8:30 ص

شكرا لكم جهود جميله

اترك رد

أحدث المقالات